الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

88

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

كان عملها لا يخلو من بعض الزلات والتقصيرات أيضا ، وهؤلاء مصداق " مقتصد " . وأخيرا مجموعة ممتازة ، أنجزت وظائفها العظيمة بأحسن وجه ، وسبقوا الجميع في ميدان الإستباق ، والذين أشارت إليهم الآية بقولها : سابق بالخيرات بإذن الله . وهنا يمكن أن يقال بأن وجود المجموعة " الظالمة " ينافي أن هؤلاء جميعا مشمولون بقوله " اصطفينا " ؟ وفي الجواب نقول : إن هذا شبيه بما ورد بالنسبة إلى بني إسرائيل في الآية ( 53 ) من سورة المؤمن : ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب ، في حال أننا نعلم أن بني إسرائيل جميعهم لم يؤدوا وظيفتهم إزاء هذا الميراث العظيم . أو نظير ما ورد في الآية ( 110 ) من سورة آل عمران : كنتم خير أمة أخرجت للناس . أو ما ورد في الآية ( 16 ) من سورة الجاثية بخصوص بني إسرائيل أيضا وفضلناهم على العالمين . وكذلك في الآية ( 26 ) من سورة الحديد نقرأ : ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون . وخلاصة القول : إن الإشارة في أمثال هذه التعبيرات ليست للأمة بأجمعها فردا فردا ، بل إلى مجموع الأمة ، وإن احتوت على طبقات ، ومجموعات مختلفة ( 1 ) .

--> 1 - أما ما احتمله البعض من أن التقسيم الوارد في الآية يعود على " عبادنا " وليس على " الذين اصطفينا " ، بحيث أن هذه المجموعات الثلاثة لا تدخل ضمن مفهوم ورثة الكتاب ، بل ضمن مفهوم " عبادنا " و " الذين اصطفينا " فقط المجموعة الثالثة أي " السابقين بالخيرات " ، فيبدو بعيدا ، لأن الظاهر هو أن هذه المجموعات ممن ذكرتهم الآية ، ونعلم أن الحديث في الآية لم يكن عن كل العباد ، بل عن الذين اصطفينا ، ناهيك عن إضافة " نا " إلى " عباد " وهو نوع من التمجيد والمدح ، مما يجعل ذلك غير منسجم مع التفسير المذكور .